Sunday, February 13, 2005

jordan-amman




أي جامعة تلك التى صفقت للرجل، ومنحته درجة الماجستير، بعدما حفظ ركاما من الأقوال والمتون، والشروح، والتذييلات، والحواشي، والعنعنات، والإحالات، ثم ازدرد كل ذلك فى حضرة لجنة موقرة، فثمنوا ذاكرته الحافظة، ولسانه الفصيح، وختموا بشمع البركة، وبصموا على ماجستير صاحب الفضيلة. أي نظام تعليمى جهنّمي، الذى يفرز لنا هذه النماذج السوداء، الكارهة للحياة، ولإعمار الكون، الكارهة للحب، والتواد، والتسامح، والمباهج والطبيعة، والزهور، والموسيقى، والفنون، والآداب. الكارهة للأنثى، الناقمة على الحظ العـاثـر الذى أسكنها الرحم، ثم لفظها سالمة، وليدا يحمل خاتم العورة الأبدية، التى منذ لحظة الولادة حتى الممات، سيجاهد المبتلون بها، لسترها، وقمعها، ومواراتها، بعد أن تكون قد قامت بمهمتها المقدسة؛ كأمة فى خدمة الذكر الأمجد؛ فتسجد له كأب، وتكمل السجود له كزوج يكمل ستر العورة المؤنثة، بعد أن تسخر وجودها كوعاء يحتوى شهوته، وفحولته البدائية؛ وتسهر أناء الليل وأطراف النهار على رغباته ومطالبه. إذ "للمرأة عشر عورات، يستر الزواج واحدة، ويستر القبر تسع " ( أبو حامد الغزالي).



أسـمـاء ذُبِحَت يا بشر، يا طيور، يا حيوانات، يا بحار، يا جبال. أسماء ذبحت، يا كلام، يا حديث، يا بلاغة، يا فصاحة، يا سجع، يا جناس، يا طباق، يا كناية. أسماء ذُبَحَت يا فضيلة، يا تقوى، يا صلاة، يا صيام. أسماء ذبحت يا راشدين، يا تابعين، يا شيوخ، يا أولياء، يا دعاة.. أسماء ذبحت يا ابن الغزالي، وتيمية، وعبد الوهاب وكل ابن فلان نعبده. أسماء ذبحت يا قريش، يا تميم، يا خزاعة يا نجران، يا نجد. أسماء ذبحت يا فضائيات، يا صحف، يا منابر، يا مناهج. أسماء ذُبِحَت يا أطفال، طفلة مثلكم قتلتها الخرافة، والجهالة، والعمى والصمم، قتلها النفاق الديني، والفضيلة المزيفة.



طفلة مثلكم.. لا ليست مثلكم. لم تكن أسماء تلعب بعروسة، ووردة مثلكم. لم تَعدُ لتلاحق الفراشات ضفائرها مثلكم. لم تكن تغنّي، وترقص مثلكم. أسماء كانت مستسلمة، وتعمل بتوافق، واستسلام، مع ناموس الجهالة. كانت ككل طفلة، في بلاد الفضيلة، تلتزم بكل تعاليم التخفّي، والستر، والنفاق التي نادى بها ميراثنا. كانت تلبس ما ينبغي أن يُلبَس، وتحفط وتردد ما ينبغي أن يحفظ ويردد. كانت تقوم وتقعد، وتصوم وتصلّي، وتختفي كجرذ صحراوى، إذا ماترامت نحنحة ذكر، من ذكور القبيلة. كانت طيبة ومستسلمة تماما. وعندما تكبر كانت تنوي أن تواصل التخفى، تحت جناح الزوج، وتنسى إسمها الأصلي لتصبح "أم الذكر"، يكون الذكر مهند أو مشارى، يكون ذياب أو فاتِك، ليس مهما ، المهم ستر الكيان، وستر الإسم الأنثوي العورة.



أسماء ذبحت. لو كان للسكين قلبٍ ماطاوعه نصله، وهو يلامس بخسة، رقبتها الصغيرة، وهي مقيدة ،بأغلال الخرافة، والغيبوبة، تتوسل بكل براءتها، تتوسل بدموعها الصادقة، وإرتجافة قلبها الأخضر، تستحلفهم بكل ما يعبدون، أن يخلوا بينها، وبين طفولتها، أن يلقوا بها الى الغابات، لرقة ورحمة الحيوانات، أو يقذفوا بها الى الصحراء؛ علّ الثعالب، والكلاب تترفق بها وبوجودها، أو يسقطوا جسدها الطفل، فى غياهب جب سحيق، لا تمر به قوافلهم، ولا يتفجر منه نفطهم؛ علَّ الماء الآسن يفيض ويرفعها الى أمان البرية. توسلت بألف رجاء، وفاضت دموعها، كى يرحموا طفولتها، ويترفقوا برقبتها الندية ولا يرسلوها الى جنتهم الموعودة. بلا فائدة. قبّلت الأرض تحت نعالهم المباركة، واعتذرت عن أشياء لم تفعلها، ونوايا شريرة لم تفكر بها. لم يشفع لها بكاء أو رجاء، توسلت أن يقتلوها قتلا رحيما ويرحموها من رؤية النصل اللامع، والإحساس بقسوة الجز. لافائدة. إقترب السكين، وغاص نصله فى طبقات اللحم الطرى؛ فسالت البراءة دماءً طاهرة، وصدر خوار أخير عن الذبيحة الصغيرة، والدماء تتفجر من أوردتها المتقطعة، تبعته إرتجافة،وهمود . الرجل قرأ إسم الله، والشهادتين وتذكر فقرات من رسالة الماجستير المباركة، ونوى الذبح، إبتهاجا بحجّه، ونصاعة ثوبِه، وهو العائد كَيومِ وَلَدَتهُ أنثى لا يذكر إسمها، قدمها قربانا رخيصا لشيطان عقله المغيّب. قدمها قربانا، لكل من علّمه حرفا، وملأ جنانه بخرافات الأقدمين، وقمامة القرون من شواذ الأفكار.



أسماء ذبحت، والصباح جاء فى موعده، والشمس لم تغب، نشرة أخبار القبيلة أذيعت فى موعدها المعتاد على الفضائية، تبعها حديث لإبن تيمية، الذى بث المدينة بعضا من قطوفه الصباحية. فحلّت السكينة، وإطمأن القلب الخامد، والجسد الكسلان، والكرش المكوّر. ورددت الشفاه بآلية، واطمأن الجميع على توافر السلع، واللحوم اللازمة، للمَنسَفِ والثريد. ذهب الأولاد الى مدارسهم، استمعوا الى المدرس، حفظوا ورددوا، وصفقوا لأكثرهم حفظا وإستظهارا. نَسِيَ الجميعُ أسماء. انصرفوا يمارسون طوافهم الخرافي، حول ذواتهم الغاضبة، يتبادلون النفاق بشكل جماعي؛ يتبادلون الدعاء والسلام بشكل شفاهي. بارك الله فيهم، وذاد فى ميزان حسناتهم، الذي فاض، ومالت كفته تماما، ناحية الجنة، وأنهارها وجواريها وغلمانها وفاكهتها.



دَمُ أسماء فى رقابكم جميعا، ناموا، وكلوا، وتناسلوا، وتناكحوا. ورددوا دعاء الجماع، ودعاء الخلاء، وحِجّوا واعتمروا كل عام. وردّدوا كل ليلة أورادكم وأدعيتكم المسجوعة، وبلاغتكم المتحفية. إذبحوا الذبائح، وتذكروا، مع كل دم يسيل، دَمَ أسماء الذي أريق رخيصا على مذبح خرافتكم وبداوتكم وهمجيتكم الضاربة فى العروق.

كاتب من مصر

om/">jordan-amman
Comments: Post a Comment

<< Home

This page is powered by Blogger. Isn't yours?